محمد بن محمد ابو شهبة

142

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وقال عوف بن الحارث وهو ابن عفراء : يا رسول اللّه ما يضحك الربّ من عبده ؟ قال : « غمسه يده - أي سيفه - في العدو حاسرا » ، فنزع درعا كانت عليه فقذفها ، وصار يقاتل حتى استشهد رضي اللّه عنه وأرضاه . القوى الروحية تفوق القوى المادية وأخذ رسول اللّه كفا من الحصا بيده ، ثم خرج واستقبل القوم فقال : « شاهت الوجوه » ثم رماهم بها وقال لأصحابه : « شدّوا » فشدّوا . والتحم الجيشان ، واشتد القتال ، وحمي الوطيس ، وتعانقت السيوف ، وتخاطبت الأسنة بدل الألسنة ، وتوالت الإمدادات الإلهية بجند اللّه من الملائكة تثبت قلوب المؤمنين ، وتزفّ لهم البشرى ، وتلقي الرعب في قلوب المشركين ، وتشارك في القتال أحيانا ، وصدق اللّه : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ « 1 » . وأظهر المسلمون بطولات فائقة ، وعرفت الدنيا أن القوى الروحية لا تقهرها القوى المادية ، وأن النفس البشرية إذا امتلأت بالإيمان وحب الشهادة تضاءلت أمامها شم الجبال الراسيات ، فما بالك بالنفوس الخاويات ، والقلوب الفارغات ؟ وأن اللّه القوي القاهر يمد عباده المؤمنين بنصر من عنده إذا صدقوا الإيمان ، وأخلصوا له في الجهاد ، وانتصروا على شهواتهم وأنفسهم ، واتقوا اللّه حق تقواه . وكان شعار المسلمين يوم بدر « أحد . أحد » ، وما هي إلا ساعة حتى انجلت المعركة عن نصر حاسم للمسلمين ، وهزيمة منكرة للمشركين ، فقتل سبعون من صناديدهم ، وأسر سبعون ، ومن أفلت من القتل أو الأسر سارع إلى الهرب وقال : النجاء النجاء ! ! .

--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 12 .